الثلاثاء , 18 يونيو 2019
الرئيسية / إسلاميات / قصة نبي الله زكريا عليه السلام
style="display:block; text-align:center;" data-ad-layout="in-article" data-ad-format="fluid" data-ad-client="ca-pub-3754746322068505" data-ad-slot="2723352953">

قصة نبي الله زكريا عليه السلام

امل كمال

زكريا عليه السلام هو أحد الأنبياء والمرسلين الذي بعثهم الله عز وجل على عباده حتى يخرجوهم من ظلمات المعاصي والشرك الى نور الطاعة والتوحيد ، وينتهي نسب سيدنا زكريا عليه السلام الى يعقوب بن اسحاق عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم وقد عرف من خلال كتاب الله تبارك وتعالى ان عهد سيدنا زكريا عليه السلام كان قريبا جدا من عهد سيدنا عيسى عليه السلام ، بدأت قصة سيدنا زكريا عليه السلام عندما تقدم في السن وملأ الشيب شعره وكذلك زوجه ولم تكن قد ولدت له ولدا تقر به عينه ويرثه بعد مماته وقد كان أقرابئه من بني عمومته أشرار فجار لم يكونو ليلتزموا في الشريعة الا من خلال وازع ورادع يردعهم ولو خلوا بينهم وبين نفوسهم التي تحمل الشر الكبير فانهم سوف يقومون بمحو الشريعة ونشر الفساد والفتن ويقومون بتغير معالم الكتاب ، وقد نزل كتاب الله تبارك وتعالى معبرا عن حال زكريا عليه السلام وذلك بقوله على لسان زكريا عليه أفضل الصلوات واتم التسليم : ( قال ربي اني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك ربي شقيا * واني خفت الموالي من ورائي فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربي رضيا ) وقد قيل أن زكريا عليه السلام كان خائفا من قومه أن يغيروا ويبدلوا من بعده فيقومون بانتهاك محارم الله عز وجل ولذلك حرص على الدعاء والتوسل الى الله تبارك وتعالى من أجل أن يرزقه الله بغلام يحمل راية النبوة والتوحيد من بعده ، بقيت هذه الخاطرة تسيطر على تفكير زكريا عليه السلام وتأرقه بشدة ليلا ونهارا الى أن قام ذات يوم بالذهاب الى معبد كي يتعبد ويتقرب فيه الى الله عز وجل فيه ، فعندما قام بالدخول على مريم عليها السلام وجدها في ذلك الوقت رابضة في محرابها ، وغارقة في تفكيرها ووجد عندها مالم يعتد على رأيته حيث أنه كان قد رأى عنده من فاكهة الصيف بينما كان ذلك الوقت وقت الشتاء فقام زكريا عليه السلام بسؤالها فورا من أين لك ذلك عندما أجابت أنه من عند الله فتوجه سيدنا زكريا عليه السلام الى ربه مصليا وداعيا وراجيا له عندما غاص عليه السلام في هذا التأمل وهذه الحالة التي لم يدركها جيدا قبل ذلك فخشع قلبه وانطلق لسانه قائلا : ( رب هب لي من لدنك ذرية طيبة انك سميع الدعاء ) فكان من الله تبارك وتعالى وبعد أن رأى خشوعه وتوجهه الصادق نحوه أن بعث له الملائكة مبشرين له أن الله تبارك وتعالى سيرزقه بغلام لم يجعل له من قبل سميا ، وكان أن رزقه الله تارك وتعالى يحي عليه السلام وأورثه النبوه من بعد أباه

قال الله تعالى في كتابه العزيز
بسم الله الرحمن الرحيم:

{ كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّا * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّا * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئا * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّا * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّا * يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّا * وَحَنَانا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّا * وَبَرّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارا عَصِيّا * وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّا } [مريم: 1-15] .

وقال تعالى: {… وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدا وَحَصُورا وَنَبِيّا مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ } [آل عمران: 37-41] .

وقال تعالى في سورة الأنبياء: { وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبا وَرَهَبا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } [89-90] .

وقال تعالى: { وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ } [الأنعام: 85] .

قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في كتابه التاريخ المشهور الحافل: زكريا بن برخيا، ويقال: زكريا بن دان، ويقال: زكريا بن لدن بن مسلم بن صدوق بن حشبان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخيا بن بلعاطة بن ناحور بن شلوم بن بهفاشاط بن اينا من ابن رحبعام بن سليمان بن داود أبو يحيى النبي عليه السلام من بني إسرائيل.

دخل البثينة من أعمال دمشق في طلب ابنه يحيى، وقيل: إنه كان بدمشق حين قتل ابنه يحيى، والله أعلم.

وقد قيل غير ذلك في نسبه، ويقال فيه زكريا بالمد وبالقصر، ويقال: زكرى أيضا.

والمقصود أن الله تعالى أمر رسوله ﷺ أن يقص على الناس خبر زكريا عليه السلام، وما كان من أمره حين وهبه الله ولدا على الكبر، وكانت امرأته مع ذلك عاقرا في حال شبيبتها، وقد أسنت أيضا حتى لا ييئس أحد من فضل الله ورحمته، ولا يقنط من فضله تعالى وتقدس فقال تعالى: { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّا } .

قال قتادة عند تفسيرها: إن الله يعلم القلب النقي، ويسمع الصوت الخفي. وقال بعض السلف: قام من الليل فنادى ربه مناداة أسرها عمن كان حاضرا عنده مخافته فقال: يا رب يا رب يا رب، فقال الله: لبيك لبيك لبيك.

{ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي } أي: ضعف وخار من الكبر.

{ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبا } استعارة من اشتعال النار في الحطب، أي: غلب على سواد الشعر شيبه، كما قال ابن دريد في مقصورته:

أما ترى رأسي حاكى لونه * طرة صبح تحت أذيال الدَجا

واشتعل المبيض في مسوده * مثل اشتعال النار في جمر الغضا

وآض عود اللهو يبسا ذاويا * من بعد ما قد كان مجاج الثرى

يذكر أن الضعف قد استحوذ عليه باطنا وظاهرا، وهكذا قال زكريا عليه السلام.

{ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبا } وقوله: { وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّا } أي: ما دعوتني فيما أسألك إلا الإجابة، وكان الباعث له على هذه المسألة أنه لما كفل مريم بنت عمران بن ماثان، وكان كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير أوانها، ولا في أوانها، وهذه من كرامات الأولياء، فعلم أن الرازق للشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولدا، وإن كان قد طعن في سنه.

{ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ } وقوله: { وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرا } قيل: المراد بالموالي العصبة، وكأنه خاف من تصرفهم بعده في بني إسرائيل بما لا يوافق شرع الله وطاعته، فسأل وجود ولد من صلبه يكون برا تقيا مرضيا ولهذا قال: { فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ } أي: من عندك بحولك وقوتك.

{… وَلِيّا * يَرِثُنِي… } أي: في النبوة والحكم في بني إسرائيل { وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّا } يعني: كما كان آباؤه وأسلافه من ذرية يعقوب أنبياء، فاجعله مثلهم في الكرامة التي أكرمتهم بها من النبوة والوحي.

وليس المراد ههنا وراثة المال كما زعم ذلك من زعمه من الشيعة، ووافقهم ابن جرير ههنا، وحكاه عن أبي صالح من السلف لوجوه

أحدها: ما قدمنا عند قوله تعالى: { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ } [النمل: 16] أي: في النبوة والملك، كما ذكرنا في الحديث المتفق عليه بين العلماء المروي في الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها، من طرق عن جماعة من الصحابة: أن رسول الله ﷺ قال:

« لا نورث ما تركنا فهو صدقة ».

فهذا نص على أن رسول الله ﷺ لا يورث، ولهذا منع الصديق أن يصرف ما كان يختص به في حياته إلى أحد من وراثه، الذين لولا هذا النص لصرف إليهم، وهم: ابنته فاطمة، وأزواجه التسع، وعمه العباس رضي الله عنهم.

واحتج عليهم الصديق في منعه إياهم بهذا الحديث، وقد وافقه على روايته عن رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وأبو هريرة، وآخرون رضي الله عنهم.

الثاني: أن الترمذي رواه بلفظ يعم سائر الأنبياء: « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ». وصححه.

الثالث: أن الدنيا كانت أحقر عند الأنبياء من أن يكنزوا لها، أو يلتفتوا إليها، أو يهمهم أمرها، حتى يسألوا الأولاد ليحوزوها بعدهم، فإن من لا يصل إلى قريب من منازلهم في الزهادة، لا يهتم بهذا المقدار أن يسأل ولدا يكون وارثا له فيها.

الرابع: أن زكريا عليه السلام كان نجارا يعمل بيده، ويأكل من كسبها، كما كان داود عليه السلام يأكل من كسب يده، والغالب ولا سيما من مثل حال الأنبياء أنه لا يجهد نفسه في العمل إجهادا يستفضل منه ما لا يكون ذخيرة له، يخلفه من بعده، وهذا أمر بين واضح لكل من تأمله وتدبره وتفهم، إن شاء الله.

قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد – يعني ابن هرون – أنبأنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: « كان زكريا نجارا ». وهكذا رواه مسلم، وابن ماجه من غير وجه عن حماد بن سلمة به.

وقوله: { يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّا } وهذا مفسر بقوله: { فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدا وَحَصُورا وَنَبِيّا مِنَ الصَّالِحِينَ } [آل عمران: 39] .

فلما بشر بالولد، وتحقق البشارة شرع يستعلم على وجه التعجب وجود الولد والحالة هذه له { قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّا } أي: كيف يوجد ولد من شيخ كبير. قيل: كان عمره إذ ذاك سبعا وسبعين سنة، والأشبه والله أعلم أنه كان أسن من ذلك.

{ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرا } يعني: وقد كانت امرأتي في حال شبيبتها عاقرا لا تلد والله أعلم، كما قال الخليل: { أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } [الحجر: 54] وقالت سارة { قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ } [هود: 72-73] .

وهكذا أجيب زكريا عليه السلام، قال له الملك الذي يوحي إليه بأمر ربه { كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } أي: هذا سهل يسير عليه { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئا } أي: قدرته أوجدتك بعد أن لم تكن شيئا مذكورا، أفلا يوجد منك ولدا وإن كنت شيخا.

وقال تعالى: { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبا وَرَهَبا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } [الأنبياء: 90] ومعنى إصلاح زوجته أنها كانت لا تحيض فحاضت، وقيل: كان في لسانها شئ أي: بذاءة.

{ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً } أي: علامة على وقت تعلق مني المرأة بهذا الولد المبشر به.
{ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّا } يقول: علامة ذلك أن يعتريك سكت لا تنطق معه ثلاثة أيام إلا رمزا، وأنت في ذلك سوي الخلق، صحيح المزاج، معتدل البنية، وأمر بكثرة الذكر في هذه الحال بالقلب، واستحضار ذلك بفؤاده بالعشي والإبكار، فلما بشر بهذه البشارة خرج مسرورا بها على قومه من محرابه.

{ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّا } والوحي ههنا هو: الأمر الخفي، إما بكتابه كما قاله مجاهد والسدي، أو إشارة كما قاله مجاهد أيضا، ووهب، وقتادة.

قال مجاهد، وعكرمة، ووهب، والسدي، وقتادة: اعتقل لسانه من غير مرض.

وقال ابن زيد: كان يقرأ ويسبح ولكن لا يستطيع كلام أحد.

{ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّا } يخبر تعالى عن وجود الولد وفق البشارة الإلهية لأبيه زكريا عليه السلام، وأن الله علمه الكتاب والحكمة وهو صغير في حال صباه.

فاحرص لنفسك أن تكون إذا بكوا * في يوم موتك ضاحكا مسرورا

ولما كانت هذه المواطن الثلاثة أشق ما تكون على ابن آدم سلم الله على يحيى في كل موطن منها فقال: { وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّا } .
وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: أن الحسن قال: إن يحيى وعيسى التقيا فقال له عيسى: استغفر لي أنت خير مني، فقال له الآخر: استغفر لي أنت خير مني، فقال له عيسى: أنت خير مني سلمت على نفسي وسلم الله عليك، فعرف والله فضلهما.

وأما قوله في الآية الأخرى: { وَسَيِّدا وَحَصُورا وَنَبِيّا مِنَ الصَّالِحِينَ } [آل عمران: 39] فقيل: المراد بالحصور الذي لا يأتي النساء، وقيل غير ذلك، وهو أشبه لقوله: { هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً } [آل عمران: 38] .

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أنبأنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال:

« ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لأحد يقول أنا خير من يونس بن متى ». علي بن زيد بن جدعان تكلم فيه غير واحد من الأئمة، وهو منكر الحديث.

وقد رواه ابن خزيمة، والدارقطني، من طريق أبي عاصم العباداني، عن علي بن زيد بن جدعان به مطولا. ثم قال ابن خزيمة: وليس على شرطنا.
وقال ابن وهب: حدثني ابن لهيعة، عن عقيل، عن ابن شهاب قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه يوما وهم يتذاكرون فضل الأنبياء فقال قائل: موسى كليم الله، وقال قائل: عيسى روح الله وكلمته، وقال قائل: إبراهيم خليل الله، وهم يذكرون ذلك

فقال: « أين الشهيد ابن الشهيد، يلبس الوبر، ويأكل الشجر مخافة الذنب ».

قال ابن وهب: يريد يحيى بن زكريا.

وقد رواه محمد بن إسحاق وهو مدلس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، حدثني ابن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: « كل ابن آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب، إلا ما كان من يحيى بن زكريا ».

فهذا من رواية ابن إسحاق وهو من المدلسين، وقد عنعن ههنا.

ثم قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب مرسلا.

ثم رأيت ابن عساكر ساقه من طريق أبي أسامة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم قد رواه ابن عساكر من طريق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق: حدثنا محمد بن الأصبهاني، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو قال:

ما أحد لا يلقى الله بذنب إلا يحيى بن زكريا ثم تلا { وَسَيِّدا وَحَصُورا } ثم رفع شيئا من الأرض فقال: ما كان معه إلا مثل هذا، ثم ذبح ذبحا. وهذا موقوف من هذه الطريق، وكونه موقوفا أصح من رفعه، والله أعلم.

وأورده ابن عساكر من طرق: عن معمر، عن ذلك ما أورده من حديث إسحاق بن بشر وهو ضعيف، عن عثمان بن سباح، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ، عن النبي ﷺ بنحوه.

وروي من طريق أبي داود الطيالسي وغيره، عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، عن أبيه، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ:

« الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة يحيى وعيسى عليها السلام ».
وقال أبو نعيم الحافظ الأصبهاني: حدثنا إسحاق بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، سمعت أبا سليمان يقول: خرج عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا يتماشيان، فصدم يحيى امرأة فقال له عيسى: يا ابن خالة لقد أصبت اليوم خطيئة ما أظن أنه يغفر لك أبدا.

قال: وما هي يا ابن خالة.

قال: امرأة صدمتها.

قال: والله ما شعرت بها.

قال: سبحان الله بدنك معي فأين روحك؟

قال: معلق بالعرش، ولو أن قلبي اطمأن إلى جبريل لظننت أني ما عرفت الله طرفة عين.

فيه غرابة وهو من الإسرائيليات.

وقال إسرائيل، عن أبي حصين، عن خيثمة قال: كان عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا ابني خالة، وكان عيسى يلبس الصوف، وكان يحيى يلبس الوبر، ولم يكن لواحد منهما دينار ولا درهم، ولا عبد ولا أمة، ولا مأوى يأويان إليه أين ماجنهما الليل أويا، فلما أرادا أن يتفرقا قال له يحيى: أوصني،.

قال: لا تغضب.

قال: لا أستطيع إلا أن أغضب.

قال: لا تقتن مالا.

قال: أما هذه فعسى.

وقد اختلفت الرواية عن وهب بن منبه هل مات زكريا عليه السلام موتا، أو قتل قتلا على روايتين.

فروى عبد المنعم بن إدريس بن سنان، عن أبيه، عن وهب بن منبه أنه قال: هرب من قومه فدخل شجرة، فجاؤوا فوضعوا المنشار عليهما، فلما وصل المنشار إلى أضلاعه أن، فأوحى الله إليه لئن لم يسكن أنينك لأقلبن الأرض ومن عليها، فسكن أنينه حتى قطع باثنتين. وقد روي هذا في حديث مرفوع سنورده بعد إن شاء الله.

وروى إسحاق بن بشر، عن إدريس بن سنان، عن وهب أنه قال: الذي انصدعت له الشجرة هو شعيا، فأما زكريا فمات موتا، فالله أعلم.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، أنبأنا أبو خلف موسى بن خلف وكان يعد من البدلاء، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري، أن النبي ﷺ قال: « إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وكاد أن يبطئ، فقال له عيسى عليه السلام: إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن، وإما أن أبلغهن؟

فقال يا أخي: إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي، قال: فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشرف، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
إن الله عز وجل أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن، وأولهن: أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا فإن مثل ذلك، مثل من اشترى عبدا من خالص ماله بورق أو ذهب، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك، وأن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا.

وأمركم بالصلاة، فإن الله ينصب وجهه قبل عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا.

وأمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة، كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.

وأمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو، فشدوا يده إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه، فقال: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه.

وآمركم بذكر الله عز وجل كثيرا، فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره، فأتى حصنا حصينا فتحصن فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله عز وجل »

وقال رسول الله ﷺ: «وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: بالجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، فإن من خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربق الإسلام من عنقه، إلا أن يرجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من حثا جهنم، قال: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: وإن صام وصلى، وزعم أنه مسلم، ادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله عز وجل المسلمين المؤمنين عباد الله عز وجل ».

وهكذا رواه أبو يعلى، عن هدبة بن خالد، عن أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير.

وكذلك رواه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي، وموسى بن إسماعيل كلاهما، عن أبان بن يزيد العطار به.

ورواه ابن ماجه، عن هشام بن عمار، عن محمد بن شعيب بن سابور، عن معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن الحارث الأشعري به.

ورواه الحاكم، من طريق مروان بن محمد الطاطري، عن معاوية بن سلام، عن أخيه به.

ثم قال: تفرد به مروان الطاطري، عن معاوية بن سلام.

قلت: وليس كما قال.

ورواه الطبراني، عن محمد بن عبدة، عن أبي نوبة الربيع بن يافع، عن معاوية بن سلام، عن أبي سلام، عن الحارث الأشعري، فذكر نحو هذه الرواية.

ثم روى الحافظ ابن عساكر، من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال: ذكر لنا عن أصحاب رسول الله ﷺ فيما سمعوا من علماء بني إسرائيل أن يحيى بن زكريا أرسل بخمس كلمات، وذكر نحو ما تقدم.

وقد ذكروا أن يحيى عليه السلام كان كثير الانفراد من الناس، إنما كان يأنس إلى البراري، ويأكل من ورق الأشجار، ويرد ماء الأنهار، ويتغذى بالجراد في بعض الأحيان، ويقول: من أنعم منك يا يحيى.

وروى ابن عساكر أن أبويه خرجا في تطلبه، فوجداه عند بحيرة الأردن، فلما اجتمعا به أبكاهما بكاء شديدا لما هو فيه من العبادة والخوف من الله عز وجل.

وقال ابن وهب، عن مالك، عن حميد بن قيس، عن مجاهد قال: كان طعام يحيى بن زكريا العشب، وإنه كان ليبكي من خشية الله حتى لو كان القار على عينيه لخرقه.

وقال محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: جلست يوما إلى أبي إدريس الخولاني، وهو يقص فقال: ألا أخبركم بمن كان أطيب الناس طعاما، فلما رأى الناس قد نظروا إليه قال: إن يحيى بن زكريا كان أطيب الناس طعاما، إنما كان يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس في معايشهم.

وقال ابن المبارك، عن وهيب بن الورد قال: فقد زكريا ابنه يحيى ثلاثة أيام، فخرج يلتمسه في البرية فإذا هو قد احتفر قبرا وأقام فيه يبكي على نفسه، فقال: يا بني أنا أطلبك من ثلاثة أيام، وأنت في قبر قد احتفرته قائم تبكي فيه، فقال: يا أبت ألست أنت أخبرتني أن بين الجنة والنار مفازة، لا يقطع إلا بدموع البكائين.

فقال له: ابك يا بني، فبكيا جميعا.

وهكذا حكاه وهب بن منبه ومجاهد بنحوه.

وروى ابن عساكر عنه أنه قال: إن أهل الجنة لا ينامون للذة ما هم فيه من النعيم، فكذا ينبغي للصديقين أن لا يناموا لما في قلوبهم من نعيم المحبة لله عز وجل، ثم قال: كم بين النعيمين وكم بينهما، وذكروا أنه كان كثير البكاء حتى أثر البكاء في خديه من كثرة دموعه

عن هنا المنياوى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *