الإثنين , 22 يوليو 2019
الرئيسية / ثقافة وفن / عالم آخر – قصة قصيرة
style="display:block; text-align:center;" data-ad-layout="in-article" data-ad-format="fluid" data-ad-client="ca-pub-3754746322068505" data-ad-slot="2723352953">

عالم آخر – قصة قصيرة

بقلم / علي حزين

منذ جاء الي المدينة البعيدة .. ينشد العلم في الجامعة .. فتنسيقه لم يسمح له بغيرها .. بحث عن سكن .. سمسار المدينة جاء به الي هنا .. حيث غرفة نومها .. تطل علي غرفة نومه ـ اكتشف ذلك بعد فترة من الزمن ـ فهو قروي المنشأ , ولا يتدخل فيما لا يعنيه.. ولا يشغل نفسه الا بما جاء من اجله.. العلم ثم الشهادة وفقط انهمك في دروسه.. وذهابه وايابه من والي الجامعة .. حتي اصدقائه الذين كانوا معه.. كان يتهرب منهم كلما أرادوا أن يصطحبوه في نزهة .. انقطع عنهم إلا القليل منهم .. فطموحاته جُلَ طموحاته .. أن يكون معيدا , ثم دكتور في الجامعة .. بعض أصدقائه حذروه من السكن الذي يسكن فيه .. ولما استوضح منهم الأمر .. قالوا له وهم يتضاحكون .. ويتغامزون فيما بينهم ..

ــ بكرة تعرف يا حلو

ــ …………..؟؟!!!!.

في البيت المقابل تسكن ” شيطانه ” لكنها جميلة , وعفية .. ثم تركوه وانصرفوا لم يهتم بالأمر كثيرا .. ظن انهم يهزرون , ويهزئون , ويضحكون معه.. وربما يريدون منه ترك السكن , والامتحانات علي الأبواب , حقداً منهم وحسداً, لتفوقه في الدراسة عليهم .. هو حسبها هكذا في نفسه.. ثم استدرك الأمر سريعاً .. وأحس بإن في الأمر شيء ما .. ربما يريدون إن ينبهوه إليه .. ولما لا ..؟ّ!.. وهم أصدقائه المخلصين .. لكن لم يدري ما هو هذا الشيء..!. ولما تعب من تحليل كلامهم وضحكاتهم , ووضع الافتراضات , والنتائج لذلك .. وتعب من قطع الغرفة ذهاباً وإيابا .. جلس علي اقرب كرسي .. والكتاب الذي يقرأ منه راقد في يده .. فجأة تسلل صوت نسائي إلي أذنه .. يأتيه من الخارج .. صنت ليتسمع الصوت ..

ــ ” انه صوت أنثي ..! .. أيكون ما قالوه لي الأصدقاء صحيح …؟!!.

هكذا كان يحدث نفسه بصوت منخفض .. حب الفضول دفعه لأن يستكشف الأمر بنفسه .. فهو لا يخاف من العفاريت , ولا من أي شيء ..

” تذكر يوم كان صغيرا .. كان يذهب بمفرده .. الي المشرحة خلف المشفى الحكومي .. في لهيب عز الظهر.. وفي الليل ايضا .. هو ورفاقه يجمع زجاجات الحقن الفارغة .. وبعض اربطة الشاش .. وعلب السجائر الفارغة .. وغيطان الكوكاكولا.. من اجل ان يلعب بها مع اصدقائه .. وكان يغافلهم ويبحث عن العفاريت .. فلم يري شيءً ….

” أتاه الصوت قوياً وواضحاً , في هذه المرة .. فكر أن يفتح الشرفة.. التي تطل علي الشارع .. الذي لا يعرف احدا فيه .. فهو غريب في المدينة .. وجاء من اجل تحصيل العلم .. لا يدري لماذا تذكر أصدقائه..الذين كانوا يريدون ان يخرج معهم الليلة .. ليتمشى معهم في شوارع المدينة .. ويتعرف علي معالمها..وتذكر أيضاً .. كلامهم له .. تمني لو جاءوه الآن .. وتمني أيضاً لو كان خرج معهم .. وتذكر أيضاً, وصية أمه عند سفره.. وهي تحزم له اغراضه , وترتب له ملابسه في شنطة سفره.. وعلي وجهها علت مسحة فرح.. ممزوجة بالحزن علي بعاده.. فهو ابنها الوحيد.. الذي طلعت بهِ من الدنيا .. هكذا كانت تذكره .. وتقول له دائماً

ــ ” خلي بالك يا بني من نفسك .. واوعي تروح كده ولا كده .. الولاد الوحشين يفسدوا بعض يا ابني .. والبنات ابعد عنهم .. قطعت سيرتهم .. دول ما ورآهم غير التعب .. والهم , ووجع القلب.. انتبه لمذاكرتك ودروسك .. وبص علي حال أبوك وأمك .. واديك شايف الحال قدامك.. وتروح وتجي بالسلامة.. وربنا يحفظك يا ابني

” وتذكر ايضاً انه لم يفتح الشرفة .. منذ جاء إلي هذه الغرفة .. فهو تعمد ان لا يفتحها .. حتي لا يزعجه الضجيج القادم منها .. الصوت مازال يأتيه من الخارج .. تشجع , وقام , فتح ” البلكونة ” كان الوقت بعد العصر بقليل .. وقف ينظر , وبيده الكتاب , فرآها .. فتاة في سن الزهور , جميلة جدا .. لا يستطيع أحداً أن يراها .. ويحول عينيه عنها .. لشده جمالها , وأنوثتها الطاغية .. ابتسم وهو يقول لنفسه :

ــ هذه هي إذا ألشيطانه التي كلموني عنها .. وحذروني منها .. ههههه ! .

نظر إليها فابتسمت .. ودحرجتْ المساء تجاهه .. كان صوتها كموسيقي حالمة , لم يرد عليها .. تظاهر انه مشغول عنها بالمذاكرة , والنظر في الكتاب الذي بيده .. هو سمعها جيداً .. ولكنه لم يرد .. اراد ان يرد .. ولكنه خاف ان يرد .. انتزع نفسه بسرعة منها .. وعاد الي غرفته .. اغلق الشرفة بنفس السرعة .. فسمع ضحكاتها وهي ترن في اذنه .. وتصفعه من الخلف , وتدفعه مثل السحر .. جعلت جسده يقشعر , وشعره يقف في رأسه , استعاذ بالله من الشيطان , ومنها .. جلس يلقف أنفاسه المتلاحقة .. وراح يهدئ من روعه .. فجأة ظهر أصحابه في الغرفة .. وهم يضحكون عليه .. هكذا تخيلهم جالسين , وملتفين حوله .. وهم يصفقون , ويشيرون إليه بأصابعهم , ويضحكون .. القي الكتاب من يده بعيداً عنه في حنق .. فرد جسده علي السرير .. وضحكاتها مازالت ترن في محيط اذ نيه مثل الطبل .. سد اذنيه بأصابعه .. تضحك .. يضع يديه علي إذنيه .. يرتفع صوت الضحكات .. يضع كل الوسائد علي راسه .. حتي تختفي ضحكاتها .. وضحكاتهم .. لم يفلح أن يبعد الصوت عن اذنيه .. ولا صورتها ايضاً من امام عينيه .. برغم انه أغلق الشرفة .. وأطفأ المصباح , وأغمض عينيه .. ووضع كل الوسائد علي رأسه .. لم يفلح في ذلك .. ماذا يصنع .. فصورتها قد طبعت في عينيه .. وتكاثرت في راسه .. وتناسخت بعدد كرات دمه .. حتى صارت ملايين النسخ .. وبعدد خلايا جسده .. وكروم زناته .. فصارت كالفيروس اللعين الذي يضرب جهاز الكمبيوتر فيعطبه , ويوقفه عن العمل .. هكذا كانت هي تعمل فيه .. غزت كل كرات دمه .. وكل خلايا جسده .. منذ أن رآها .. تري ماذا يصنع حتى يتخلص منها ..؟!. …

تعود في كل يوم أن يراها , تقف أمامه , صامتة .. وقد تخففت من ثيابها .. مفرودة الشعر .. تطل من البلكونة.. المقابلة لغرفة نومه.. تفرك يدها البض.. في نهدها النافر.. تتلفت في توتر .. وقلق .. وعيناها تدور في محاجرها .. هنا وهناك خشية أن يكون أحداً غيره يراها .. تنفخ في الهواء .. فيشعر بقلبه يرتجف .. يعلو ويهبط في صدره .. ويذهب في مهب الريح , وحين تتأكد أن أحداً لن يراها غيره .. تلج إلى الغرفة .. ببطء .. وتؤده .. تتميس في مشيتها .. تتبختر .. تترنح علي طريقة ” ستريب تيز .. strip ..tease” تجلس على السرير الخشبي .. تضحك بصوت منخفض .. وهي ترمقه بنظرتها الواعدة.. يتظاهر بأنه لا يراها .. تفتعل صوتا , تكح , تسعل .. ينظر اليها .. فيمتقع لونه.. ويشرد الدم في عروقه .. تعتدل من جلستها.. يبهت .. تبتسم .. ابتسامة .. بلهاء .. فيطير عقله من رأسه.. ويفر , تُحَلِّل شعرها بأصابعها الطويلة.. تطوح به في كل اتجاه . ترميه بنظرة أَحَدُّ من الخنجر.. يجف ريقه , وينشف , من جديد تغيب في زفرة طويلة .. متقطعة .. تتأوه ينتفض كالعصفور المبلول .. وقد انهمر عليه المطر فجأة .. فيفقده القدرة علي الطيران .. برهة من الصمت القاتل.. تلم أعضاءها المبعثرة أمامه.. تقف أمام المرآة , الضخمة , تترنح , تتمايل , تدعك يديها في صدرها برفق .. وكأنها تريد ان توقظه .. وتوقظ الحواس الخمس , تشهق , تزفر, تتأوه , تترنح كغزالة شاردة تمرر يديها بين طرقات جسدها العاجي .. تقف عند منحنيات الجسد الثائر .. تمشط شعرها من جديد .. ترميه للوراء بيدها الحاسرة .. تنظر إليه .. وهي تمسك بفستان نومها الأسود .. تدندن بصوت رخيم ..

ــ ” ساكن قدام بتنا , وبشوفك بعنيا , ليه يا بن حارتنا , سايق التقل علي “

وتمضي ساعة , أو تزيد , وكلاهما ينظر للآخر في صمتٍ , وتوترٍ , وترقبٍ , وقلقٍ وذهولٍ .. وكأنه انتقل إلى عالم آخر……. “.

*************

على السيد محمد حزين ــ طهطا ــ سوهاج ــ مصر

عن هنا المنياوى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *