السبت , 19 سبتمبر 2020
الرئيسية / مقالات / الكتابة والخيانة المشروعة
style="display:block; text-align:center;" data-ad-layout="in-article" data-ad-format="fluid" data-ad-client="ca-pub-3754746322068505" data-ad-slot="2723352953">

الكتابة والخيانة المشروعة


المهندس عزام حدبا-لبنان
حينما كنت صغيرا كانت لذة القراءة اقوى لذة عندي ولا يضاهيها متعة اخرى.. وبقيت على ذلك ردحا طويلا من الزمن كانت القراءة فيه صديقتي الاولى.. تحملني الى عوالم اخرى خيالية.. أطير بها ومعها حيث لا يرانا احد.. ولكن ببلوغي سن الرشد راودتني عن نفسي صديقة اخرى.. اسمها الكتابة.. وكان سحرها فاتنا فاتكا.. فضعفت نفسي أمامها وخنت صديقتي الاولى.. خيانة شرعية مشروعة.. لا يمنعها قانون ولا شرع.. اقنعتني الكتابة انها تملك ما تملكه القراءة من مفاتن مثيرة وزيادة.. ففي الكتابة أنت تقرأ حكما.. تقرأ لكي تكتب او تقرأ ما تكتب على الأقل.. وفوق ذلك تحقق متعة إضافية.. متعة تحقيق الذات: تعبر عما في يجول في نفسك من افكار متضاربة ومشاعر مضطرمة.. وتنقل للآخرين خلاصة تجاربك في الحياة كما افعل الآن.. وهكذا كان.. وكما في كل علاقة جديدة تسعد اياما ثم تعض اصابعك ندامة حينما تكتشف ما خسرت بخيانتك..
اي نعم الكتابة امتع من القراءة واكثر تفننا ولكنها اقل وفاء واكثر مشاكسة.. القراءة حاضرة حينما تطلبها.. مطيعة لك في اي وقت.. فبين متناول يديك الكثير من الكتب والمعلومات التي تتمنى عليك أن تقرأها.. أما الكتابة فشأن آخر.. تراودك عن نفسك في كل لحظة بل قد تسهرك الليالي وتؤرقك.. ولكنها تبقى متمنعة الى ان تقرر منحك ذاتها بتوقيتها هي ووفق شروطها هي.. في وصال قد يحمل من الألم أضعاف ما يحمله من لذة… كثيرا ما تمسك القلم بنشاط وحماس.. مستعدا لالتقاط اللحظة.. متحمسا لتسجيل بنات افكارك.. ثم تضعه جانبا.. تعود خالي الوفاض من معركة وهمية مع طواحين الهواء.. تكتب وتكتب ثم تمزق ما تكتب.. تحاول ان تلتقط شتات افكارك فلا تصطاد الا افكارا عابرة مبعثرة.. لا تسمن ولا تغني من جوع.. مع ان الطيور كثيرا وتمر اسرابا من فوقك وفي خيالك.. ولكن هو ترددك .. هي حيرتك.. هي طيبة قلبك التي تفرض عليك احيانا ان تترك هذه الاسراب تمر في سمائها دون ان تعكر براءتها ببارود حبرك..
وتمر الأيام ويحن الخائن.. واقصد به الكاتب.. الى صديقته الاولى.. وهي على براءتها.. جاهزة دوما لاستقباله.. لغفران ذنوبه.. لغسل رجليه بالمسك والعنبر.. هي لم تتغير وظلت وفية له.. تحاول ان ترده اليها بشتى السبل.. تقنعه ان الكتابة لم تكن الا نزوة عابرة .. ليست من مستواه.. لا تليق به ولا يليق بها.. ولكن هيهات.. هيهات ان يهجر الكتابة بعد ان أفضى بها وعرى نفسه بين احضانها.. مجاهرا بفعله هذه أمام الناس كلهم بدون خجل او وجل.. يكتشف الكاتب بمجرد اقتراف الكتابة انه عاجز عن العودة الى القراءة بنفس اللذة السابقة.. اي نعم قد يعود اليها ولكنها لم تعد تشبعه.. ام تعد ترويه كما كان الحال سابقا.. فقد أدمن الكتابة وسرى حبرها في دمه واختلط بدموعه.. فإن مر نهاره دون ان يكتب شيئا يشعر بظمأ شديد.. بعطش.. بجوع.. يكتب ولو كلمة واحدة.. يسطرها على الفايسبوك ضمن منشور بسطرين خلاصته دوما: انا هنا.. انا حي.. انا اتنفس..
لكم هو صعب ان تصبح الكتابة رئتك الى العالم.. تتنفس بها وتختنق بدونها.. وأحيانا معها.. تضحكك وتبكيك.. تمارس هوايتها الدائمة بالهجر والوصال.. وانت في كل مرة تسامح وتغفر.. فكيف لك ان تعيش بدون اوكسجين.. بدون رئة.. بدون قلب اصبح ينبض على ايقاعها.. على ان الصعوبة الكبرى هي حينما تقرر انت في فترة ملل ما أو حنين الى ماضيك ان تهجر الكتابة طوعا.. لا لأنك لم تعد تملك الأفكار فالأفكار نبع متدفق لا ينضب.. ولكن لأن شؤم خيانتك يلاحقك.. يكشف لك الكتابة على حقيقتها.. يعريها لك فيتبين لك ان ما ظننته كشفا رائعا تحقق به ذاتك ما هو الا صديقتك القراءة وقد لبست ثوبا جديدا زاهيا.. فأنت في النهاية تكتب لنفسك فقط ولكن الآخرون سيقرأون ما تكتب.. سيكون نتاجك بالنسبة لهم عين ما هربت منه.. وتكتشف في لحظة الكشف هذه ان كل كتاباتك ما هي الا فعل مكرر.. اعادة استنساخ ما قد كتب في مكان ما وزمان ما.. وكل ما تضيفه انت هو انك تعبر عنه بلغتك الخاصة..

في هذه الحظة بالذات تقع في الاحباط الأكبر.. في لعنة تفوق لعنة الفراعنة شراسة وديمومة.. تقف وجها لوجها امام الحقيقة الكبرى.. وتقرر أخذ واحد من خيارين: اما المثابرة على الانكار والمكابرة والاستمرار في تكرار الآخرين وتكرار نفسك او تأخذ قرارا جريئا وتكسر قلمك بدون دمعة ندم..

لم اكسر قلمي بعد.. ولا اعرف لماذا.. ربما لا أملك جرأة التراجع عن الخيانة كما امتلكت يوما ما جرأة اقترافها.. ربما لا اريد الاعتراف ان حلمي الجميل بالتغيير والإضافة كان وهما وسرابا.. ربما ما زلت اراهن على بضعة ايدي تصفق لما اكتبه او تضغط اللايك.. على نخبوية مزعومة او شعبوية مفقودة.. ربما -وهذا ما أرجحه- انتظر لحظة وعي جماعي يقرر فيه كل من يعاني مثلي من مرض الكتابة العضال.. أن نرتكب انتحارا جماعيا ننهي به هذه المأساة المستمرة بلا افق أو بصيص نور.

عن admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *