السبت , 7 ديسمبر 2019
أخبار عاجلة
الرئيسية / إسلاميات / الجزءُ الثاني من حُكمُ المرأَةِ أَثناءَ الحَيضِ في الإِسلامِ الأَصيلِ (لا حياءَ في كَشفِ الحَقيقةِ)
style="display:block; text-align:center;" data-ad-layout="in-article" data-ad-format="fluid" data-ad-client="ca-pub-3754746322068505" data-ad-slot="2723352953">

الجزءُ الثاني من حُكمُ المرأَةِ أَثناءَ الحَيضِ في الإِسلامِ الأَصيلِ (لا حياءَ في كَشفِ الحَقيقةِ)

بقلم: رافع آدم الهاشميّ

Rafe Adam al Hashemi

الباحث المحقّق الأديب

مؤسّس و رئيس

مركز الإبداع العالميّ

………

تتمَّةُ الجزءِ الأَوَّلِ من هذا المقال

………

وَ قولُهُ تعالى في الآيةِ الأُولى أَعلاهُ:

– {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}.

لُغويَّاً: قَرُبَ الشيءُ: دَنا، فَهُوَ: قَريبٌ، وَ القُربُ نَقيضُ البُعدِ، وَ تَقَرَّبَ: توَسَّلَ إِليهِ بقُربَةٍ أَو بحَقٍّ.

وَ في الحَديثِ الشَّريفِ:

– “الْمَرْأَةُ الْحَائِضُ الَّتِي تُهِلُّ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، إِنَّهَا تُهِلُّ بِحَجِّهَا أَوْ عُمْرَتِهَا إِذَا أَرَادَتْ، وَ لَكِنْ لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَ لَا بَيْنَ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ، وَ هِيَ تَشْهَدُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا مَعَ النَّاسِ، غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَ لَا بَيْنَ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ، وَلَا تَقْرَبُ الْمَسْجِدَ حَتَّى تَطْهُرَ”.

وَ: اِطَّهَّرَ: تطهَّر، أَيّ: اِغتسلَ، وَ: طَهَرَ الثوبَ: أَزالَ وَسَخَهُ، وَ: طَهَرَ الشيءَ: أَبعَدَهُ، وَ: طَهُرَ: بَرِئَ مِن كُلِّ ما يَشينُ، وَ: طَهَّرَهُ: بَرَّأَهُ وَ نَزَّهَهُ مِنَ العيوبِ وَ غَيرِها، وَ: طَهُرَتِ الحائِضُ أَوِ النفساءُ: اِنقَطَعَ دَمُها أَوِ اِغتَسلَت مِنَ الحيضِ وَ غَيرِهِ، وَ: مُتَطَّهِرٌ: فاعِلٌ مِن تَطَهَّرَ.

عليهِ: فإِنَّ الأَمرَ الإِلهيَّ هُنا أَيضاً موجَّهٌ إِلى الأَزواجِ لا إِلى النِّساءِ، وَ هُوَ عَزَّ وَ جَلَّ لَم يَقُل:

– (وَلاَ تَقْترَبُوا إِليهنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ).

وَ فرقٌ شاسِعٌ بيِّنٌ بينَ {لا تَقْرَبُوهُنَّ} وَ بينَ (لاَ تَقْترَبُوا إِليهنَّ)، فلو قالَ:

– (وَلاَ تَقْترَبُوا إِليهنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ).

توجَّبَ آنذاكَ على الأَزواجِ عَدمُ مُلامَسةِ النِّساءِ أَثناءَ فترةِ الحيضِ مُطلقاً، أَمَّا وَ قَد أَمرَ اللهُ عزَّ وَ جَلَّ بعدمِ التقرُّبِ لا بعدمِ الاقترابِ، فآنذاكَ توجَّبَ الابتعادُ عَنِ الْمُقاربَةِ الّتي هيَ النِّكاحُ، وَ الّتي يستوجِبُ فيها الإِدخالَ أَوِ الإِيلاجَ، فكِلاهُما (الإِدخالُ وَ الإِيلاجُ) منهيٌّ عنهُ بأَمرِ اللهِ تعالى نهياً قاطِعاً أَثناءَ فترةِ الحيضِ! أَمَّا سائِرُ الاستمتاعاتِ فلا نهيٌ عَنها أَبداً.

وَ قولُهُ تعالى في الآيةِ الأُولى أَعلاهُ:

– {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}.

لُغويَّاً: التَّوبَةُ: الرُّجوعُ مِنَ الذَّنبِ، وَ تابَ إِلى اللهِ: أَنابَ وَ رَجِعَ عَنِ الْمَعصيةِ إِلى الطاعَةِ، وَ التَّوَّابُ: الغَنِّيُّ، وَ هُوَ الّذي يَتوبُ على عِبادِهِ وَ يَقبَلُ توبَتَهُم، فاللهُ تَوَّابٌ وَ العَبدُ تائِبٌ.

قالَ تعالى:

– {إِلاَ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.

[القرآن الكريم: سورة البقرة/ الآية (160)]

وَ في الحديثِ الشَّريفِ:

– “كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَ خَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ”.

فقولُهُ تعالى:

– {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}.

أَيّ: إِذا انتهَت فترةُ حيضهنَّ، أَمكنكم أَيُّها الأَزواجُ آنذاكَ إِمتاعَ زوجاتِكُم وَ استمتاعِكُم بهنَّ عن طريقِ الإدخالِ و الإيلاجِ سويَّةً، لذا فهُوَ عزَّ وَ جَلَّ قالَ صراحةً:

– {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ}.

وَ السؤالُ هُوَ:

– لماذا؟

وَ الجوابُ هُوَ في الآيةِ ذاتها:

– {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}.

فاللهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَم يَقُل:

– (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِاتَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِاتَ).

وَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَم يَقُل:

– (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّائبينَ).

وَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَم يَقُل:

– (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّائباتَ).

وَ فرقٌ شاسِعٌ بيِّنٌ بينَ {التَّوَّابِينَ} وَ (التَّوَّابِاتَ) وَ (التَّائبينَ) وَ (التَّائباتَ)، وَ كذلكَ فرقٌ شاسِعٌ بَيِّنٌ بينَ {الْمُتَطَهِّرِينَ} وَ (الْمُتَطَهِّرِاتَ).

إِذاً: فهَوُ أَمرٌ موجَّهٌ إِلى الرِّجالِ (الأَزواجِ) أَيضاً لا إِلى النِّساءِ، وَ الغَرضُ منهُ هُوَ: الِحفاظُ على المرأَةِ بدنيَّاً وَ نفسيَّاً وَ عقليَّاً وَ روحيَّاً أَيضاً؛ لا أَنَّها نجِسَةٌ، بل: لأَنَّ المرأَةَ أَعظَمُ هديةٍ إِلهيَّةٍ طاهِرةٍ دائماً وَ أَبداً (ما لَم تكُن مشركةً باللهِ) وهبَها اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلى النَّاسِ جميعاً (خاصَّةً إِلى الذّكور)، فهيَ مصنعُ الرِّجالِ وَ النسِّاءِ معاً، وَ هيَ منبعُ الحَنانِ الفيَّاضِ، وَ هيَ مُنتِجَةُ الأَجيالِ تلوَ الأَجيالِ الّتي اختارها اللهُ تعالى لأَرقى وظيفةٍ في الكونِ كُلِّهِ، أَلا وَ هيَ: الأَرضُ الحاضِنةُ للبشريَّةِ كُلِّها، إِذ: الزرَّاعُ وَ بذورُهُ مِن دُونِ الأَرضِ لَن يكونَ لَهُما فائدةٌ مطلَقاً، لذا: توجَّبَ الحِفاظُ على هذهِ الهديَّةِ الإِلهيَّةِ الطاهرةِ العُظمى.

في القُرآنِ الكريمِ الّذي بينَ أَيدينا اليومَ، نجِدُ أَنَّ لفظَ (الْمَحِيضِ) قَد وردَ (3) ثلاثَ مرَّاتٍ فقَط في الآيتين أَعلاهُ، وَ لفظَ (يَحِضْنَ) قَد وردَ (1) مرَّةً واحِدةً فقَط في الآيةِ المذكورةِ أَعلاهُ، وَ لا تُوجَدُ اِشتقاقاتٌ أُخرى للحيضِ أَو الحائِضِ قَد وردت في القُرآنِ مُطلَقاً.

مِمَّا مَرَّ سلفاً، وَ بناءً على المعنى اللفظيِّ للأَلفاظِ القُرآنيَّةِ، لا نجِدُ أَيَّ ذِكرٍ لـ (نجاسةِ) المرأَةِ أَثناءَ فترةِ حيضِها، بل لا توجَدُ حتَّى إِشارةٌ بسيطَةٌ تُشيرُ إِلى نجاستها أَو نجاسةِ دَمِ الحيضِ حتَّى!

حينَ نُدقِّقُ في القُرآنِ الكَريمِ لا نجِدُ إِلّا كلمةً واحدةً تُشيرُ صراحةً إِلى النجاسةِ بشكلٍ واضحٍ لا غُبارَ عليهِ مُطلَقاً، وَ هيَ الكلمةُ الموجودَةُ في الآيةِ الشَّريفةِ التاليةِ، حَيثُ قالَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ:

– {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاء إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.

[القرآن الكريم: سورة التوبة/ الآية (28)]

إِذاً: لَفظُ (نَجَسٌ) قَد وردَ في القُرآنِ الكَريمِ كُلِّهِ مرَّةً واحدةً فقَط لا غير، وَ لا توجَدُ اِشتقاقاتٌ أُخرى غيرهُ: مثل: أَنجاس، مُنجَّسٌ، مُتَنَجِّسٌ، نَجاسَةٌ، نَجِسَةٌ… الخ.

لُغَويَّاً: فُلانٌ نَجَسٌ: خَبيثٌ فاجِرٌ، وَ: وَلَدٌ نَجَسٌ: قَذِرٌ، أَيّ: غَيرُ طاهِرٍ، نَجُسَ الشَّخصُ: خَبُثَ طَبعُهُ وَ دَنِسَ خُلُقُهُ فأَصبَحَ قَذِراً، وَ: نَجِسَ الشَيءُ: نَجُسَ، أَصبحَ قَذِرَاً دَنِساً، وَ فقهيَّاً: نَجِسَ العضوُ أَوِ البَدنُ: أَصبحَ غيرَ طاهِرٍ. وَ في الاِصطِلاحِ الفقهيِّ: النَّجَسُ هُوَ: أَحَدُ أُمورٍ عَشرةٍ أَو أَكثرٍ، على الخِلافِ بينهُم، يؤثِرُ القَذارَةَ الماديَّةَ الْموجِبةَ للتطهيرِ، كالدَّمِ وَ البولِ وَ الغائطِ.

إِذاً: قولهُ تعالى:

– {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}..

هُوَ إِيضاحٌ إِلهيٌّ موجَّهٌ إِلى {الَّذِينَ آمَنُوا} لا إِلى غيرهِم، سواءٌ كانَ غيرهُم (الّذين أَسلموا) أَو حتَّى (الّذينَ تأَسلموا)!!! وَ الإِيضاحُ لهؤلاءِ {الَّذِينَ آمَنُوا} هُوَ: {الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}.

الشِركُ بالإِلهِ الخالِقِ الحَقِّ، مِن أَكبرِ الكبائرِ، وَ يُسمَّى صاحِبُهُ: (مُشرِكاً)، أَيّ: أَن يجعلَ المخلوقُ للخالقِ شريكاً في العبادةِ وَ في مُلكهِ أَيضاً، وَ هُوَ أَيضاً يخصُّ عبادةَ الأَوثانِ وَ النّجومِ وَ غيرها مِنَ المخلوقاتِ حتَّى وَ إِنِ اعترفَ الْمُشرِكُ بوجودِ اللهِ، أَيّ: أَنَّ الأَشخاصَ الّذينَ يعترِفونَ بوجودِ اللهِ وَ في الوقتِ ذاتهِ أَيضاً يُشرِكونَ بعبادتهِ وَ مُلكهِ غيرَهُ مِنَ المخلوقاتِ، كأُولئكَ الّذينَ يتَّبعونَ أَربابَهُم مِن كَهنةِ المعابدِ سُفهاءِ الدِّينِ، فإِنَّما هُم في حقيقةِ الحالِ مُشرِكونَ باللهِ الإِلهِ الخالقِ الحَقِّ (تقدَّسَت ذاتُهُ وَ تنزَّهت صِفاتُهُ)، وَ بالتالي: فهؤلاءِ {نَجَسٌ} جُملةً وَ تفصيلاً؛ لأَنَّ حقيقةَ الشِركِ أَن يُعبَدَ الْمَخلوقُ كما يُعبَدُ اللهُ، أَو أَن يُعظَّمَ كما يُعَظَّمُ اللهُ، أَو أَن يُصرَفَ لَهُ نوعٌ مِن خصائصِ الرّبوبيَّةِ وَ الإِلوهيَّةِ أَيضاً.

وَ الشِركُ بالإِلهِ الخالِقِ الحَقِّ لا يتوقَّفُ على أَن يَعدِلَ الإِنسانُ أَحداً باللهِ فقَط، أَو أَن يُساوي بينهُما بلا فرقٍ يُذكَرُ، بل أَن يأَتيَ الشَخصُ بسلوكيِّاتٍ (صفاتٍ وَ أَعمالٍ) خصَّها اللهُ تعالى بذاتهِ العَليَّةِ هُوَ حصراً، فيجعلها الشخصُ لأَحدٍ مِنَ المخلوقاتِ أَيَّاً كانت، بما فيها البشرُ أَيضاً، كالسجودِ لأَحَدٍ، وَ الذبحِ باسمهِ، وَ النُذُرِ لَهُ، وَ الاستعانةِ بهِ في الشِدَّةِ وَ غيرِ الشِدَّةِ معاً، وَ الاعتقادِ بأَنَّهُ ناظِرٌ في كُلِّ مكانٍ، وَ إِثباتِ التصرُّفِ لَهُ، وَ غيرِها من سلوكيِّاتٍ أُخرى، فهذهِ جميعُها تثبِتُ الشِركَ وَ يصبِحُ فاعِلُها في حقيقتهِ مُشرِكاً باللهِ، وَ بالتالي: يُصبِحُ فاعِلُها نَجِساً، أَيّ: خَبُثَ طَبعُهُ وَ دَنِسَ خُلُقُهُ فأَصبَحَ قَذِراً.

وَ الشِركُ باللهِ نوعانِ: شِركٌ ظاهريٌّ، وَ شِركٌ خَفيٌّ، وَ أَخطَرُ النوعينِ هَو الخفيُّ مِنهُما؛ إِذ أَنَّ كُلَّ شِركٍ كانَ في قَلبِ صاحبهِ قد لا يعلَمُهُ الآخرونَ، إِلَّا أَنَّ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ يعلَمُهُ لا محالة، فيخرجُ منهُ الشِركُ القوليُّ أَو الشِركُ الفِعليُّ، وَ قَد سُمِّيَ بالخَفيِّ؛ لأَنَّ صاحِبَهُ يُخفي الشِركَ وَ يُظهِرُ أَمامَ الآخَرينَ أَنَّ سلوكيَّاتَهُ للهِ وَ هُوَ في حقيقتهِ قَد قصدَ بها غيرَ اللهِ، وَ يُسمَّى هذا بـ (شِركِ السرائِرِ)؛ كما سَمَّاهُ النبيُّ المصطفى الصادِقُ الأَمينُ (روحي لَهُ الفِداءُ)..

عَن محمودٍ بن لبيدٍ قالَ: خرجَ النبيُّ (صلّى اللهُ عليهِ وَ على آلهِ الأَطهارِ وَ صحبهِ الأَخيارِ وَ سلّمَ تسليماً كثيراً، عليهِمُ السَّلامُ جميعاً وَ روحي لَهُم الفِداءُ) فقالَ:

– “يا أَيُّها النَّاسُ! إِيَّاكُم وَ شِركُ السرائِرِ”.

قالوا:

– يا رسولَ اللهِ وَ ما شِركُ السرائِرِ؟

قالَ (روحي لَهُ الفِداءُ):

– “يَقومُ الرَّجلُ فيُصلّي فيُزيِّنُ صلاتَهُ جاهِداً لِما يرى مِن نظرِ النَّاسِ إِليهِ، فذلكَ شِركُ السرائِرِ”.

وَ قَد أَخبرَ جَدِّيَ الصادِقُ الأَمينُ رسولُ اللهِ (عليهِ السَّلامُ وَ روحي لَهُ الفِداءُ) أَنَّ هذا الشِركَ أَخفى مِن دَبيبِ النملِ؛ حَيثُ جاءَ عَن أَبي عليٍّ رَجلٌ مِن بني كاهلٍ، قالَ: خطبَنا أَبو موسى الأَشعريُّ، فقالَ: خطبَنا رسولُ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وَ على آلهِ الأَطهارِ وَ صحبهِ الأَخيارِ) ذاتَ يومٍ فقالَ:

– “أَيُّها النَّاسُ! اِتَّقوا هذا الشِركَ؛ فإِنَّهُ أَخفى مِن دَبيبِ النملِ”.

فقالَ لَهُ مَن شاءَ أَن يقولَ:

– وَ كيفَ نتَّقيهِ وَ هُوَ أَخفى مِن دَبيبِ النملِ يا رسولَ اللهِ؟

قالَ (روحي لَهُ الفِداءُ):

– “قولوا: اللّهُمَّ إِنَّا نعوذُ بكَ مِن أَن نُشرِكَ بكَ شيئاً نعلَمُهُ وَ نستغفِرُكَ لِما لا نعلَمُهُ”.

وَ قَد حذَّرَ النبيُّ المصطفى الأَمينُ (روحي لَهُ الفِداءُ) مِنَ الشركِ الخَفيِّ باللهِ لأَسبابٍ عديدةٍ؛ منها:

أَوَّلاً: قَد لا يكادُ أَحَدٌ يسلَمُ مِنهُ (من غيرِ المؤمنينَ)؛ لقوَّةِ الداعي إِليهِ، وَ لمشقَّةِ التحرُّزِ عليهِم وَ خلاصِهم مِنهُ.

ثانياً: قَد لا يكونُ (لغيرِ المؤمنينَ) هناكَ مجالٌ للإِنكارِ على فاعلهِ؛ لأَنَّهُ خَفيٌّ في القُلوبِ وَ ليسَ ظاهِراً، فيكثرُ الوقوعُ فيهِ، بخِلافِ لو كانَ جَليَّاً واضحاً كالسجودِ لغيرِ اللهِ وَ الاستغاثةِ بالأَمواتِ وَ غيرِهما مِن سلوكيِّاتِ الشِركِ الأُخرى.

ثالثاً: أَنَّ حُكمَهُ يُخفى على أَكثرِ النَّاسِ (وَ أَكثرُهُم مِن غيرِ المؤمنينَ)؛ لأَنَّهُ خفيٌّ في قلبِ صاحبهِ، مِمَّا يستدعي وقوعَ الجاهلينَ بهِ فيهِ؛ جهلاً مِنهُم ما وقعوا هُم فيهِ.

قال تعالى:

– {مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}

[القرآن الكريم: سورة المائدة/ آخِر الآية (72)]

وَ قالَ تعالى:

– {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً}

[القرآن الكريم: سورة النِّساء/ الآية (48)]

وَ في الحديثِ الشَّريفِ:

– “أَلا أُنبئُكُم بأَكبرِ الكبائرِ؟:”

قالوا:

– بلى يا رسولَ اللهِ.

قالَ (روحي لَهُ الفِداءُ):

– “الإِشراكُ باللهِ”.

………

بقيَّةُ المقالِ في الجُزءِ الثالث وَ الأَخير منهُ إِن شاءَ اللهُ تعالى.

عن admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *