الخميس , 12 ديسمبر 2019
أخبار عاجلة
الرئيسية / إسلاميات / الجزءُ الثالث من حُكمُ المرأَةِ أَثناءَ الحَيضِ في الإِسلامِ الأَصيلِ (لا حياءَ في كَشفِ الحَقيقةِ)
style="display:block; text-align:center;" data-ad-layout="in-article" data-ad-format="fluid" data-ad-client="ca-pub-3754746322068505" data-ad-slot="2723352953">

الجزءُ الثالث من حُكمُ المرأَةِ أَثناءَ الحَيضِ في الإِسلامِ الأَصيلِ (لا حياءَ في كَشفِ الحَقيقةِ)

بقلم:

رافع آدم الهاشميّ

Rafe Adam al Hashemi

الباحث المحقّق الأديب

مؤسّس و رئيس

مركز الإبداع العالميّ

………

تتمَّةُ الجزءِ الثاني من هذا المقال

………

مِمَّا مَرَّ سلفاً في أَعلاهُ، نرى بوضوحٍ تامٍّ أَنَّ القُرآنَ لَم يذكُر شيئاً نجسِاً إِلَّا مَن أَشركَ باللهِ، وَ لا شيءَ غيرِ الْمُشرِكِ نَجِسٌ، فلا المرأَةُ نجسَِةٌ أَثناءَ فترةِ حيضِها، وَ لا دَمُ الحيضِ نجسٌ هُوَ الآخَرُ، وَ لا البولُ نجسٌ، وَ لا الغائِطُ نجسٌ، وَ لا المنيُّ نجسٌ، وَ لا الكَلبُ نجِسٌ، وَ لا أَيُّ شيءٍ آخَرٍ نجسٌ أَيَّاً كانَ، كُلُّ الأَشياءِ الّتي خلقها اللهُ تعالى طاهِرةٌ جُملةً وَ تفصيلاً، إِلَّا مَن أَشركَ باللهِ فَهَو نجِسٌ جُملةً وَ تفصيلاً وَ هذا النجِسُ ظالِمٌ مُفترٍ إِثماً عَظيماً وَ قَد {حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَ مَأْوَاهُ النَّارُ} لا محالة، معَ مُلاحظتك جيِّداً أَنَّ النَّارَ هيَ مأَوى هذا الْمُشِركِ النجسِ وَ ليسَ هُوَ مأَواها، فليتبصَّر عَقلُك وَ ليتأَمَّل وَ ليتدبَّر.

لَقد أَثبَتَتِ الدراساتُ الطبيَّةُ الحديثةُ أَنَّ حركاتَ البدنِ مثلَ حركاتِ الصَّلاةِ وَ غيرها مِنَ الحركاتِ الأُخرى بما فيها الحركاتُ الرياضيَّةُ، تُضِرُّ كَثيراً الحائِضاتَ؛ لأَنَّ المرأَةَ الّتي تؤدِّي حركاتَ الصَّلاةِ أَثناءَ فترةِ حيضها، فإِنَّها عِندما تؤدِّي السجودَ وَ الركوعَ فإِنَّ هذهِ الحركاتَ تُزيدُ جريانَ الدَّمِ إِلى رحِمِها، خاصَّةً وَ أَنَّ خليَّةَ الرحِمِ وَ المبيضِ شبيهةٌ بخليَّةِ الكَبدِ الّتي تجذِبُ كَثيراً مِنَ الدِّماءِ، وَ مِمَّا لا شكَّ فيهِ أَنَّ الحائِضَ إِذا أَدَّتِ حركاتَ الصَّلاةِ هذهِ فإِنَّها تُسبِّبُ اِندفاعَ الدَّمِ بكثرَةٍ إِلى رَحمِها، مِمَّا يؤدِّي إِلى فقدانِهِ وَ نزولِهِ في دَمِ الحَيضِ، وَ بالتالي: فإِنَّها تتسبَّبُ في هلاكِ الجهازِ المناعيِّ بجسمِها؛ لأَنَّ كُرياتَ الدَّمِ البيضاءِ الّتي تقومُ بدوَرٍ مُهِمٍّ في المناعَةِ، تضيعُ عبرَ دِماءِ الطَمثِ المفقودَةِ مِن جِسمِها، كما أَنَّ نزيفَ الدَّمِ (بصفةٍ عامَّةٍ) يزيدُ مِن اِحتمالاتِ العدوى بالأَمراضِ ذاتَ العَلاقةِ، أَمَّا الحائِضاتُ فقَد حفظهنَّ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِن العدَوى بتركيزِ كُريَّاتِ الدَّمِ البيضاءِ في الرحمِ خِلالَ الدورَةِ الشهريَّةِ؛ لكي تقومَ هذهِ الكُريَّاتُ بالْمُدافَعَةِ وَ الحمايةِ ضِدَّ الأَمراضِ، فإِن أَدَّتِ المرأَةُ أَثناءَ فترةِ الحَيضِ حركاتَ الصَّلاةِ هذهِ (مِن سجودٍ وَ ركوعٍ) فإِنَّها تفقِدُ الدِّماءَ بقَدَرٍ هائِلٍ وَ تفقِدُ معَها كَثيراً مِن كُريَّاتِ الدَّمِ البيضاءِ، مِمَّا يُعرِّضُ سائِرَ أَعضاءِ بدنها للإِصابةِ بالأَمراضِ، كأَن يتعرَّضَ الكَبدُ أَوِ الطُحالُ أَوِ الْمُخُّ أَوِ تتعرَّضَ الغُدَّةُ الليمفاويَّةُ، وَ مِن هُنا تظهَرُ حِكمَةُ إِسقاطِ اللهِ حركاتَ الصَّلاةِ عَنِ النِّساءِ أَثناءَ فترةِ حيضهنَّ؛ لأَنَّهُ (أَذىً)، على رغمِ أَنَّ هذا الـ (أَذى) ليسَ خطيراً فادِحاً، بل هُوَ (أَذىً) بسيطاً لا يؤدِّي إِلى الهلاكِ..

– فما بالُك إِن كانَ الـ (أَذى) خطيراً فادحاً؟

– هَل يقبلُ اللهُ تعالى أَن تُصابَ بهِ النِّساءُ؟

لا وَ حَقَِّهِ لن يقبلَ أَبداً.

وَ حَيثُ أَنَّ تحريكَ المرأَةِ الحائضِ بدَنها، لا سيِّما في السجودِ وَ الركوعِ، يزيدُ سيلَ الدِّماءِ إِلى الرحمِ وَ يُسهِّلُ فقدانهُ هَباءً، بالإِضافة إِلى ما يُسبِّبُهُ مِن نقصٍ في الأَملاحِ المعدنيَّةِ مِنَ الجسمِ، لذا: أَوجَبَ اللهُ في فترةِ الحيضِ استراحَتها مِن حركاتِ الصَّلاةِ هذهِ؛ لكي لا يضيعُ مِن الجسمِ الدَّمُ وَ سائِرُ الأَملاحِ الثمينةِ الأُخرى، وَ مِن هُنا تتضِحُ أَيضاً حِكمَةُ منعِ اللهِ الصومَ على النِّساءِ أَثناءَ فترةِ الحيضِ، وَ ليسَ لأَنَّها نجِسَةٌ أَو لأَنَّ دَمَ الحيضِ فيها وَ منها نجِسٌ كما يدَّعي الْمُدَّعونَ.

لذا:

أَوَّلاً: على الزوجِ أَن يُعامِلَ زوجتَهُ أَثناءَ فترةِ الحيضِ بحنانٍ مُضاعَفٍ أَكثرٍ مِمَّا يُعامِلُهُ بها قبلَ وَ بعدَ تلكَ الفترةِ؛ لأَنَّ المرأَةَ أَثناءَ فترةِ الحيضِ؛ وَ بفعلِ ما تُحدِثُهُ التغييراتُ الفسيولوجيَّةُ فيها (طبيعيَّاً)، فإِنَّها تمرُّ بظروفٍ نفسيَّةٍ وَ جسديَّةٍ قَد لا يتحمّلها الزوجُ نفسُهُ، بل وَ قَد يتذمَّرُ من هذهِ الظروفِ بضجرٍ بيِّنٍ واضحٍ منهُ، وَ قد أَثبتت بعضُ الإِحصائيِّاتِ أَنَّ نسبةَ (81%) أَو أَقلّ بقليلٍ، مِنَ النَّساءِ أَثناءَ فترةِ حيضهنَّ، يُعانينَ مِنَ الضيقِ وَ التعبِ وَ الضغطِ النَّفسيِ الكبيرِ، بالإِضافَةِ إِلى معاناتهنَّ شيئاً مِنَ الآلامِ في منطقةِ البطنِ وَ الظَهرِ وَ الساقينِ، وَ حيثُ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوجَبَ على الأَزواجِ الاعتزالَ لا العزلَ، لذا: عليهِم أَن يقتربوا إِلى زوجاتهم أَكثرَ فأَكثرَ، وَ لا بأَسَ بمعاشرتهنَّ وَ إِمتاعهنَّ بسائرِ الاستمتاعاتِ، خَلا الإِدخالَ وَ الإِيلاجَ، حيثُ أَنّ المرأَةَ في فترةِ حيضِها يكونُ لها الشهوةُ نفسُها الّتي تأَتيها قبلَ وَ بعدَ فترةِ الحيضِ هذهِ، بل وَ قَد تكونُ شهوتُها أَشَدُّ درجةً؛ نظراً لاحتِقانِ الأَنسجةِ فيها، فعلى الأَزواجِ مُداعبَةُ زوجاتهِم وَ مساعدتهنَّ في الأَعمالِ المنزليَّةِ وَ توفيرِ جميعِ مُستلزماتِ سعادتهنَّ بما لا يُكلِّفُ اللهُ نفساً إِلَّا وسعَها؛ للتخفيفِ مِن آلامهنَّ (الطبيعيَّة) أَثناءَ الفترةِ هذهِ.

ثانياً: للمرأَةِ أَثناءَ حيضِها أَن تفعلَ أَيَّ شيءٍ، كأَن تدخلَ المساجِدَ، أَو تذكُرَ اللهَ سِرَّاً وَ جهراً بسائرِ الأَذكارِ؛ كالتسبيحِ وَ التكبيرِ وَ التهليلِ وَ الاستغفارِ، وَ أَن تقرأَ القُرآنَ وَ تستمعَ إِليهِ، وَ أَن تلمسَ وَ تمسَّ حتَّى كلماتَ الْمُصحفِ الشَّريفِ (القُرآن الكريم)، وَ أَن تُشارِكَ في حلقاتِ العِلمِ وَ سماعِ وَ إِسماعِ ما يُذاعُ فيها، وَ أَن تستفيدَ مِن كُلِّ شيءٍ على الإِطلاقِ بما فيهِ صلاحها وَ إِصلاحها وَ ما فيهِ صلاح وَ إِصلاح الآخرينَ على حَدٍّ سواءٍ؛ إِذ لا حرجَ عليها أَبداً؛ كونها طاهِرةٌ لا نجسَ فيها مُطلَقاً.

ثالثاً: المعنى اللفظيُّ للآيةِ الشَّريفَةِ الخاصَّةِ بالمحيضِ الأُولى أَعلاهُ هُوَ: يا مُحمَّد! إِنَّ الّذينَ يسأَلونكَ عَن جوازِ إِتيانِ نسائِهم أَثناءَ المحيضِ إِدخالاً أَو إِيلاجاً، قُلْ لَهُم: أَنَّ في فعلِهم هذا أَذىً لنِسائِهم، وَ على رَغمِ أَنَّ هذا الأَذى ليسَ خطيراً فادِحاً، إِلَّا أَنَّ مُراعاتهِنَّ أَمرٌ واجِبٌ لا محالة، لذلك: عليكُم أَنتُمُ الأَزواجُ أَن تعتزلوا نساءَكم أَثناءَ فترةِ الحيضِ بعدمِ مُمارسَةِ النِّكاحِ مَعَهُنَّ (لا دخولاً وَ لا إِيلاجاً)، لا أَن تعزلوهنَّ عَنكم أَو تعزلوا أَنفُسكَمُ أَنتُم عنهنَّ، وَ لا بأَسَ مِن مُمارَسةِ سائِرِ الاستمتاعاتِ الأُخرى، سواءٌ كانَ ذلكَ بثيابهنَّ أَو بدونها فيما أَعلى السُرَّةِ وَ تحتَ الرُكبتينِ، فلا تقربوهنَّ بهذا الفِعلِ المؤذي لَهُنَّ (الّذي هُوَ النِّكاحُ إِدخالاً أَو إِيلاجاً)، حتَّى يغتسلنَّ مِنَ الحيضِ، آنذاكَ يُمكِنكُم مُمارسَةُ النِّكاحِ (دخولاً وَ إِيلاجاً) أَيضاً، مِنَ الطريقِ الّذي أَمركَمُ اللهُ بهِ الّذي هُوَ القُبُلُ (عَن طريقِ الفَرجِ) لا الدُبُرِ، وَ الأَمرُ بعدمِ التقرُّبِ هذا (لا الاقتراب)؛ لا لأَنَّ المرأَةَ نجِسَةٌ، وَ لا لأَنَّ دَمِ الحيضِ فيها وَ مِنها نَجِسٌ، وَ إِنَّما لأَنَّ التغييراتَ الفسيولوجيَّةَ طبيعيَّاً لها أَثرُها عليهنَّ فتوجَّبَ عليكُم أَيُّها الأَزواجُ مُراعاةُ ذلكَ، وَ اعلموا أَيُّها الأَزواجُ: أَنَّ اللهَ يُحِبُّ التوَّابينَ، أَيّ: يُحِبُّ الأَغنياءَ عَنِ الشيءِ الّذينَ يتركونهُ لأَجلِ اِقتضاءِ مصلحةِ الطَرفِ الآخَرِ (الْمُتمثِّلِ هُنا بالزوجةِ أَثناءَ فترةِ الحيضِ)، وَ اعلموا أَيُّها الأَزواجُ أَيضاً: أَنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتطَّهرينَ: أَيّ: يُحِبُّ الأَزواجَ الّذينَ يغتَسِلونَ بعدَ إِتمامِهِم مُمارسَةِ النِّكاحِ معَ زوجاتِهِم؛ جلباً للمنفعةِ وَ دفعاً للضَرر.

عِلماً: أَنَّ المرأَةَ يُمكِنُها أَن تَعرِفَ أَنَّها قَد طَهُرَت مِن حيضِها؛ إِذا خَرَجت القصََّةُ البيضاءُ، وَ هُوَ سائِلٌ أَبيَضُ يخرُجُ حالَ اِنتهاءِ الحَيضِ منها، فإِن لَم تَكُن تلكَ عَلامَةُ طُهرِها فإِنَّهُ الجَفافُ، وَ تعرفُهُ بأَن تضعَ قطعةَ قماشٍ بيضاءٍ، أَو قطنةً بيضاءً محلََّ نزولِ الدَّمِ في فرجها، فإِذا خرجتِ القماشَةُ أَوِ القطنةُ جافَّةً، وَ لَم يتغيَّرُ لونُها بدَمٍ، أَو بكُدرَةٍ، أَو بصُفرةٍ؛ فهيَ عَلامَةُ طُهرِها مِنَ الحيضِ لا محالة، وَ آنذاكَ وجبَ عليها الاغتِسالُ.

وَ الاغتِسالُ سواءٌ كانَ مِنَ الحيضِ، أَو مِنَ النِّكاحِ، أَو مِن سواهِما، إِنَّما لأَسبابٍ أُخرى لا عَلاقَةَ لها بنجاسةِ الشخصِ أَو ما خرجَ منهُ مُطلقاً؛ إِذ كُلُّ شيءٍ خلَقَهُ اللهُ طاهِرٌ جُملةً وَ تفصيلاً، كما تبيَّنَ لك ذلك الآنَ، وَ بيانُ توضيحِ هذهِ الأَسبابِ سآتي إِليك بهِ في محلِّهِ إِن شاءَ اللهُ تعالى.

السؤالُ الّذي يفتحُ أَمامك البابَ على مصراعيهِ للدخولِ إِلى ما هُوَ أَكثرُ فأَكثرُ مِنَ الحقائقِ وَ الخفايا وَ الأَسرارِ الخافية عنك، هُوَ:

– لماذا أَفتى مَن أَفتى بنجاسةِ المرأَةِ أَثناءَ فترةِ حيضها أَو نجاسةِ دَمِ الحيضِ أَو نجاسَةِ البولِ وَ الغائطِ وَ الكَلبِ وَ غيرِهم رُغمَ أَنَّ هؤلاءِ الّذينَ أَفتوا بهذهِ الفتاوى كانوا مِنَ الفُقهاءِ الأَبرارِ وَ لَم يكونوا مِنَ كهنةِ المعابدِ سُفهاءِ الدِّين؟!!

وَ إِليك الجوابُ:

في لُغَةِ جَدِّيَ الصادقِ الأَمينِ (روحيَ لَهُ الفِداءُ)، الّتي هيَ اللُّغَةُ العربيَّةُ الفُصحى، وَ هي اللُّغةُ الّتي جاءَ بها القُرآنُ الكَريمُ، فإِنَّ اللفظَ هُوَ صوتٌ يَدلُّ على معناهُ، وَ المعنى إِمَّا أَن يكونَ لَفظيَّاً، أَو يكونَ اِصطلاحيَّاً، وَ المعنى اللفظيُّ هُوَ المعنى الحقيقيُّ للفظِ ذاتهِ، أَمَّا المعنى الاِصطلاحيُّ فَهُوَ المعنى الظاهريُّ للفظِ الّذي تمَّ وضعُهُ بناءً على ما توارى فيهِ، وَ لمعنى اللفظِ، سواءٌ كانَ لفظيَّاً أَوِ اصطلاحيَّاً، تفرُّعاتٌ أَخرى ليسَ هذا محلُّ بيانها، وَ السؤالُ الّذي يطرَحُ نفسَهُ على طاولةِ البحثِ هُوَ:

– عندما يُريدُ اللهُ أَن يوجِّهَ أَمراً ما إِلى عِبادهِ، فهل يوجِّهَهُ وفقَ المعنى اللفظيِّ (الحقيقيِّ) أَم وِفقَ المعنى الاِصطلاحيِّ (الظاهريِّ)؟

وَ لإِيضاحِ السؤالِ هذا أُعطيك المثالَ التالي:

رَجُلٌ مُتفقِّهُ في الدِّينِ، مُطّلِعٌ في اللُّغةِ العربيَّةِ الفُصحى، قرأَ شِعراً الأَبياتَ التاليةَ (وَ الشِّعرُ لي أَنا مُحدِّثُك الآنَ صاحِبُ هذا المقال: السيِّد رافع آدم الهاشميّ):

وَ غانيةٌ لها عِطرٌ كَوَردٍ

يُشَمُّ بكُلِّ حِينٍ بعدَ حِينِ

فَتُفرِحُ مَن أَتاها رُغمَ حُزنٍ

وَ تُسعِدُ مَن يُعانِقُ بالْحَنينِ

هيَ اِمرأَةٌ طَغى فيها جَمالٌ

يُمَنِّي النَّفسَ وِطئاً كُلَّ حِينِ.

ثُمَّ (بضَمِّ الثاءِ لا بفتحِها) قُلتُ لَهُ جادَّاً:

– تعالَ؛ لأُعطيكَ وردةً تشمُّها؛ فَتُفرِحُكَ رُغمَ حُزنِكَ.

برأَيك أَنت:

– ما الّذي سيذهبُ إِليهِ عَقلُ هذا الرَّجُلِ في معنى لفظِ الـ (وردةِ) في كلاميَ الموجَّهِ إِليهِ؟

– هل يذهَبُ عقلُهُ إِلى المعنى اللفظيِّ لها على أَنَّها الوَردُ، الّذي هُوَ نباتٌ معروفٌ، وَ هُوَ زَهرَةُ الوَردِ؟

– أَم أَنَّ عقَلَهُ سيذهبُ إِلى المعنى الاصطلاحيِّ لها على أَنَّها الـ (غانيةُ)، وَ هيَ المرأَةُ الجميلةُ الّتي طغى فيها جَمالُها إِلى درجةٍ أَصبَحَ كُلُّ مَن يراها يتمنَّى وطأَها كُلَّ حينٍ؟

ممَّا لا شكَّ فيهِ أَنَّ الرَّجُلَ سيذهبُ عقلُهُ إِلى المعنى الاصطلاحيِّ، وَ سيظنُّ أَنَّني عندما قلتُ لَهُ:

– تعالَ؛ لأُعطيكَ وردةً تشمُّها؛ فَتُفرِحُكَ رُغمَ حُزنِكَ.

أَنَّ المعنى هُوَ: تعالَ لأُعطيكَ امرأَةً جميلةً؛ تشمُّها؛ فَتُفرِحُكَ رُغمَ حُزنِكَ.

فيما أَنَّ الواقِعَ الحقيقيَّ الّذي أُريدُهُ هُوَ:

– تعالَ؛ لأُعطيكَ وردةً (ذلك النباتُ المعروفُ) تشمُّها؛ فَتُفرِحُكَ رُغمَ حُزنِكَ.

أَيّ: أَنَّني اِستخدمتُ المعنى اللفظيَّ للفظِ (وردة)، وَ استخدمَ هُوَ المعنى الاصطلاحيَّ في تفسيرها، لذلك: حدثَ الخلطُ في المفاهيمِ لديهِ، وَ بحدوثِ هذا الخلطِ حدثَ الخطأُ في التفسيرِ، وَ بحدوثِ الخطأ في التفسيرِ حدثَ الخطأُ في إِصدارِ حُكمهِ على الكَلامِ الموجَّهِ منِّي إِليهِ، وَ بالتالي: أَخطأَ هُوَ في إِصدارِ فتواهُ، مِمَّا أَدَّى إِلى حدوثِ خطأ في جميعِ السلوكيِّاتِ المترتَّبةِ على هذهِ الفتوى الصادرةِ منهُ خطأً، رُغمَ أَنَّ خطأَ تفسيرِهِ لم يكُن مقصوداً مِنهُ مطلَقاً!

هذا الخلطُ في تفسيرِ أَلفاظِ القُرآنِ الكريمِ هُوَ ذاتُهُ الّذي حدثَ معَ هؤلاءِ الفُقهاءِ الأَبرارِ (رضوانُ اللهِ تعالى عليهِم أَجمعينَ)، فَهُم فسَّروا أَلفاظَ القُرآنِ الكريمِ وفقَ المعنى الاصطلاحيِّ للفظِ، لا وِفقَ المعنى اللفظيِّ لَهُ، وَ بالتالي: أَصبحَ التحريفُ في إِصدارِ أَحكامِهم مِمَّا لا لبسَ فيهِ مُطلقاً مِمَّا ترتَّبَ على آثارهِ ما ترتَّبَ مِن سلوكيِّاتٍ أَودَت بمُقلّديهِ إِلى هُوَّةِ الهلاك!

وَ قَد ذكرَ اللهُ التحريفَ بشكلٍ واضحٍ في قولهِ تعالى:

– {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.

[القُرآن الكريم: سورة البقرة/ الآية (75)]

وَ في قولهِ تعالى:

– {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَ قَلِيلاً}.

[القُرآن الكريم: سورة النِّساء/ الآية (46)]

وَ في قولهِ تعالى:

– {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.

[القُرآن الكريم: سورة المائدة/ الآية (13)]

وَ في قولهِ تعالى:

– {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

[القُرآن الكريم: سورة المائدة/ الآية (41)]

وَ الأَسئلةُ الأَخطرُ هيَ:

– مَن الّذي وضعَ المعانيَ الاصطلاحيَّةَ لأَلفاظِ القُرآنِ الكريمِ لتكونَ بديلاً عنِ المعاني اللفظيَّةِ لها؟!

– متى تمَّ وضعُ هذهِ المعاني الاصطلاحيَّةِ؟!!

– وَ كيفَ تغلغلت إِلى عقولِ الفُقهاءِ الأَبرارِ دُونَ أَن يتنبَّهوا إِليها فأَحدثت فيهم تفسيرهم الخاطئ لآياتِ القرآنِ الكريم اعتماداً منهُم على المعنى الاصطلاحيِّ الفقهيِّ للفظِ ذاتِ العَلاقةِ لا اعتماداً على المعنى اللفظيِّ (الحقيقيِّ) للفظِ ذاتهِ هُوَ؟!!

– وَ إِذا وصلَ التحريفُ إِلى الكتُبِ السَّماويَّةِ الأُخرى كالتوراةِ وَ الإِنجيلِ، وَ هيَ كُتبٌ مُنزَلَةٌ مِنَ اللهِ كما يدَّعونَ، فهلَ وصلَ التحريفُ أَيضاً إِلى داخلِ القُرآنِ الكريمِ ذاتهِ الّذي بينَ أَيدينا اليومَ؟!!!

– إِذا كانَ اللهُ حقَّاً هُوَ الّذي أَنزلَ تلكَ الكُتُبِ السَّماويَّةِ فلماذا لَم يحفظها مِنَ التحريفِ كما حفظَ القُرآنَ الكَريمَ؟!!!

– أَم أَنَّ حِفظَ القُرآنِ الكَريمِ ليسَ إِلَّا تحريفٌ مِن بينِ ما تغلغلَ إِلى القُرآنِ ذاتهِ أَيضاً؟!!

– أَليسَ الّذي يقبلُ التحريفَ بكُتُبٍ سماويَّةٍ سابقةٍ أَنزلها هُوَ سيقبلُ التحريفَ بكتابٍ سماويٍّ آخرٍ أَيضاً حتَّى وَ إِن كانَ اسمُهُ القُرآن الكريم؟!!!

– كَم مِنَ التعاليمِ الإِسلاميَّةِ الأَصيلةِ تمَّ تحريفُها على مَرِّ العقودِ المنصرمةِ وَ حتَّى يومنا هذا؟!!

– وَ إِذا كانَ اللهُ على عِلمٍ بهذا التحريفِ (وَ هُوَ عالِمٌ لا محالة) فلماذا سكوتُهُ إِذاً وَ تركهُ النَّاسَ يتخبَّطونَ بينَ حابلٍ وَنابلٍ وَ هُم لا يعلمونَ؟!!!

إِلى غيرها منَ الأَسئلةِ الّتي تفتحُ البابَ على مصراعيهِ أَمامك للوقوفِ على الكثيرِ وَ الكثيرِ مِنَ الحقائقِ وَ الخفايا وَ الأَسرار، وَ الّتي بيانُها جميعاً سآتي إِليك بها في محلِّهِ إِن شاءَ اللهُ تعالى، في حالَ وفّقني اللهُ عزَّ وَ جَلَّ لذلك، وَ جعلني حتَّى ذلك الحينِ على قيدِ الحياةِ.

اللهُمَّ ثبِّتنا على طاعَتِكَ، وَ اَهدِ الغافلينَ عَنكَ إِلى سبيلِ الرَشادِ، وَ اضرِبِ الظالمينَ بالظالمين، وَ أَخرِجنا مِنها سالمين، وَ اجعلَنا مِنهُم في مأَمَنٍ غانِمين؛ إِنَّكَ وليُّ المؤمنين؛ فقَد قُلتَ وَ قَولُكَ الْحَقُّ: {أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ إِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً}.. [القُرآن الكَريم: سورة المائدة/ من الآية (42)]..

وَ في مقالاتي القادمة إِليك إِن شاءَ اللهُ تعالى، سأَوضِّحُ لك المزيد مِمَّا أُرجِّحُ أَنَّهُ قَد غابَ عنك، إِن كتبَ اللهُ لي عُمُرَاً في هذهِ الحياةِ الفانيةِ، وَ هَيَّأَ ليَ الأَسبابَ لأَجلِ ذلكَ، وَ ليكُن لي عندك دَعوَةٌ صالِحَةٌ بظهرِ الغَيبِ، يدعو لسانُك وَ قَلبُك لي اللهَ فيها بالتوفيقِ لِمَا يُحبُّهُ وَ يرضاهُ؛ فإِنِّي وَ اللهُ على ما أَقولُ شَهيدٌ: قَد أَحببتُك في اللهِ حُبَّاً إِيمانيَّاً خالِصاً قُربَةً للهِ.

سُبحانكَ اللهُمَّ وَ بحمدِكَ، أَشهُدُ أَن لا إِلهَ إِلَّا أَنت، وَ أَنَّ مُحمَّداً عبدُكَ وَ رسولُك، وَ الْحمدُ للهِ ربَّ العالمينَ حَمداً كَثيراً كما هُوَ أَهلُهُ، على كُلِّ حالٍ مِنَ الأَحوالِ، وَ صلّى اللهُ على سيِّدِ الأَنبياءِ وَ الأَبرارِ، وَ آلهِ الطيِّبينَ الأَطهارِ، وَ صحبهِ الْمُنتَجَبينَ الأَخيارِ، وَ سَلَّمَ تسليماً كَثيراً.

أَقولُ قوليَ هذا وَ أَستَغِفُرُ اللهَ لي وَ لَك وَ لجميعِ المؤمنينَ وَ المؤمناتِ، وَ عليك سَلامٌ مِنَ اللهِ وَ رَحمةٌ منهُ وَ بركاتٌ.

………

تمَّ المقالُ بأَجزائهِ الثلاثِ جميعاً وَ للهِ الحمدُ حمداً كثيراً كما هُوَ أَهلهُ على كُلِّ حالٍ مِنَ الأَحوالِ.

عن admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *