الأربعاء , 11 ديسمبر 2019
أخبار عاجلة
الرئيسية / عاجل / التربية بالعنف والتربية بالحب
style="display:block; text-align:center;" data-ad-layout="in-article" data-ad-format="fluid" data-ad-client="ca-pub-3754746322068505" data-ad-slot="2723352953">

التربية بالعنف والتربية بالحب

 التربية بالعنف والتربية بالحب

 هيام محي الدين

من أخطر الظواهر السلبية المؤثرة على مستقبل الأمم وتطور المجتمعات البشرية ظاهرة استخدام العنف في عملية التنشئة التربوية للأطفال واعتماد وسائل الإيذاء البدني واللفظي والنفسي في تقويم سلوكيات الأطفال وإلزامهم قسرا بما يراه الكبار دون مراعاة مستوى نموهم النفسي والعقلي ودون الاهتمام بما يحقق لهم السعادة والاستواء النفسي ، وتبدأ هذه الظاهرة السلبية من الأسرة حيث يقوم الكثير من الآباء وأحياناً بعض الأمهات باستخدام العنف في عملية التنشئة التربوية للأبناء ومحاولة فرض أفكارهم الناضجة على أبنائهم الذين لم يصل مدى نموهم للاقتناع بهذه الأفكار ولم يتأهلوا نفسياً أو بدنياً لأدائها فيلجأ الآباء لاستخدام العنف البدني واللفظي في محاولة فرضها ، مما يؤثر بالسلب على السلامة الفكرية والنفسية للطفل وتكون النتيجة ظهور أجيال تربت على الإكراه والعنف لتمارسه بعد ذلك مع الآخرين.

وتتضاعف خطورة الظاهرة حين تمارس في العملية التعليمية بالمدارس ، فالمعلم الذي يستخدم العنف والعقاب البدني لتلاميذه الصغار إنما هو نتاج لتربية خاطئة في صغره ، وتعليم فاسد في إعداده كمعلم

المعلم يمارس أقدس مهنة في الوجود ؛ وهي مهنة الرسل والأنبياء الذين بعثهم الله معلمين للبشرية وهو الذي قال فيه أمير الشعراء:

قم للمعلم وفــه التبجيــلا .. كاد المعلم أن يكون رسولا

أرأيت أعظم أو أجل من الذي .. يبني وينشئ أنفسا وعقولا

فإذا لم يكن المعلم على مستوى مسئولية مهنته النبيلة وكانت قدراته كمعلم لا تصل إلى المستوى المناسب علمياً وتربوياً فإنه يلجأ لاستخدام العنف بمختلف أشكاله مع تلاميذه العنف البدني بالضرب واستخدام أدوات شديدة الإيذاء في ممارسته ، والعنف اللفظي المهين بالشتائم والسباب الذي يصل إلى درجة سب التلاميذ بآبائهم وأمهاتهم واستخدام ألفاظ بذيئة خارجة عن مكارم الأخلاق ، أو وهذا أضعف الإيمان إهمال بعض تلاميذه وعدم بذل أي جهد معهم عندما لا يجد منهم التجاوب الكافي مع ما يعلمه لهم وتعد المرحلة الأولى من التعليم ( المرحلة الابتدائية ) أخطر وأهم المراحل في العملية التعليمية كلها فهي مرحلة تكوين شخصية الطفل واكتشاف مواهبه وقدراته وتنميتها ؛ فإذا قامت العملية التربوية في هذه السن الغضة على استخدام العنف فإنها تدمر أجيالاً كاملة وتعطل طاقات التفكير والابتكار والإبداع لديهم لأنها تزرع فيهم الخوف والجبن وقد تصل ببعضهم إلى كراهية المدرسة والمدرس والعملية التعليمية بأسرها ويتمثل السبب الرئيسي في استخدام المعلمين للعنف في سوء إعدادهم بكليات التربية وشكلية التدريب العملي لطلابها قبل تخرجهم وعدم التركيز على إعداد المعلم بصورة تربوية سليمة تدربه على التواصل مع تلاميذه والنفاذ إلى قلوبهم وعواطفهم قبل عقولهم وتحقيق قدر من الارتباط النفسي بينه وبين الأطفال الذين يدرس لهم بحيث يصنع تعاطفا وجدانياً بينه وبينهم فالطفل في هذه السن الباكرة ( من الرابعة إلى العاشرة من عمره ) يحتاج إلى التعاطف والحنان فإذا أحب معلمه بذل أقصى جهوده لإرضائه وارتبط به وجدانيا وتربوياً وبذلك يحقق المعلم أعلى مستويات النجاح والأداء التربوي الناجح عن طريق التواصل الوجداني مع تلاميذه وإذا كان لدى بعض التلاميذ قصور عضوي أو عقلي يعوق مسيرته التعليمية فعلى المعلم القدير المعد إعداداً تربوياً جيداً أن يتعامل مع هؤلاء بما حصله من معرفته بعلم النفس التربوي وبما اكتسبه من خبرات خلال مسيرته المهنية وتجاربه السابقة في التعامل مع هذه النماذج ، دون لجوء للعنف أو الإيذاء أو وسائل العقاب غير التربوية الذي يسبب أضراراً كثيرة لا يمكن علاجها في المستقبل إلا بعد عناء وجهد مضني لإعادة الاستواء النفسي لشخصية الأبناء.

إن مجرد دخول المدرس لتلاميذه وهو يحمل أداة عقاب بدني تدمير لقدرته كمعلم فقد أشاع منذ دخوله إرهاباً كاملاً لتلاميذه وشتت قدراتهم الذهنية لأن رؤيتهم لأداة العقاب سوف تؤثر قطعا بالسلب على قدرتهم على التجاوب مع الدرس ومع المعلم ؛ ولن نستطيع إصلاح نظامنا التعليمي بتطوير المناهج ونظم الامتحانات وطرق التدريس فقط وإنما علينا أن نهتم ببناء قدرات المعلم ، والتأكيد على القيم التربوية السليمة في التعامل مع التلاميذ وبذل جهد أكبر في تطبيق طرق التدريس الحديثة التي تتعامل مع التكوين النفسي والمرحلة العمرية على أساس علمي وتربوي سليم.

إن توعية الآباء والمعلمين بطرق التربية الحديثة التي تتجنب دائماً استخدام أسلوب العقاب العنيف المؤذي جسدياً ونفسياً وتعتمد على فهم متطلبات أبنائنا في كل مرحلة سنية والتعامل معهم بما يناسب نموهم العقلي والجسدي من خلال علاقة وجدانية رفيعة تتسم بالفهم والمودة والرحمة أصبح ضرورة ملحة يجب أن تجند لها الأمة والدولة كل قدراتها الإعلامية للإسهام في خلق جيل سوي يتحلى بمكارم الأخلاق ويتمتع برعاية مواهبة وقدراته على التفكير والإبداع ويتسم بالشجاعة والشخصية القوية التي لا تعرف الخوف والجبن الذي يؤدي للكذب والمداهنة والنفاق ، ولا تعرف القسوة والعنف الذي يؤدي للكراهية والشقاق ، جنبوا أطفالنا العنف وعلموهم وقوموهم بالمودة والحب والرحمة والفهم من أجل مستقبل هذا الوطن.


عن admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *