الجمعة , 13 ديسمبر 2019
أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / أمينة خيرى تكتب: شعب “متنمر” بالفطرة!
style="display:block; text-align:center;" data-ad-layout="in-article" data-ad-format="fluid" data-ad-client="ca-pub-3754746322068505" data-ad-slot="2723352953">

أمينة خيرى تكتب: شعب “متنمر” بالفطرة!

علينا الإمساك بتلابيب فيديو التنمر الأحدث، ولا ينبغى أن نترك هذه الفرصة الذهبية تتسرب من بين أيادينا، حيث تقوم قومتنا، ونكتب كلماتنا المعبأة بمشاعر الإنسانية، ونثبت حضوراً فى دفتر الوعى والمسئولية، ثم نوقع انصرافاً وكأنك يا أبو زيد ما غزيت، وكأن التنمر فى مجتمعنا حالة فردية أو واقعة قلما تتكرر، وعلينا أن نقر ونعترف أمام أنفسنا قبل كل شىء بأن التنمر جزء أصيل منا وأن المزعج فى الواقعة الأخيرة أن البعض ترك البلاتوه وجلس ضمن مقاعد المشاهدين، فشعر للمرة الأولى فى حياته أن التنمر انحطاط وقبح وبشاعة.

بشاعة ما جرى للفتى المهذب القادم من جنوب السودان لا تكمن فيما تعرض له نهاراً جهاراً فى الشارع، لكنها تكمن فى أن المشهد يجرى يومياً فى الشارع والمدرسة والجامعة وعربات المترو والنادى والسوق وفى البيت.

مبالغة؟ لا، ليست مبالغة، إنها الحقيقة، كم أباً سخر من ابنه بسبب وزنه الزائد؟ وكم أم تفكهت أمام صديقاتها أن ابنتها الصغيرة وجدتها على باب الجامع، لأن بشرتها الداكنة دخيلة على الأسرة ذات البشرة الباهتة؟ وكم عماً تفكه فى جلسة أسرية على ابن أخيه الذى يعانى التلعثم أثناء الحديث؟ وكم جداً حاول تغيير شخصية حفيده الهادئة عبر تحفيزه بقوله: انت عامل زى البنات؟

هذا بالطبع بالإضافة إلى أشكال التنمر التقليدية المعروفة، التى بدأت جهات عدة فى مصر تلتفت إليها وتعمل على التوعية بمخاطرها، وأبرزها حالات التنمر فى المدارس، التى تؤدى إلى الإخلال بالصحة النفسية والنمو العقلى وتدنى إحساس تقدير الذات لدى الصغار، بل ويصل أحياناً إلى حد التفكير فى الانتحار والإقدام عليه، وهنا تجب الإشارة إلى أن كل أشكال التنمر فى المدارس بالطبع مرفوضة، ويجب مواجهتها، إلا أن التنمر الذى يأتى من المدرس تجاه طالب أو طالبة من الأمور التى تقشعر لها الأبدان، يفترض أن الأهل يأمنون على أبنائهم وبناتهم فى المدرسة، لأن هناك مدرساً أو مدرسة يراعى الصغير، فلا يعلمه (أو بالأحرى يلقنه فقط)، لكنه يرعى صحته النفسية ويراعى الفروق الموجودة بين الصغار، فكيف يأتى التنمر من هذا «الأمين» نفسه؟!

وعلى سبيل المصارحة والمواجهة مع الذات، فعلينا كذلك أن نقر ونعترف أن ما كنا نسميه زمان «مستر فلان دمه خفيف فى الفصل وبيتريق على حسين التخين» أو «مس فلانة ظريفة جداً ومسمية نهلة «أم كدش» علشان شعرها كيرلى» هو تنمر واضح صريح لا ريب فيه، فرق شاسع بين أن يكون الشخص خفيف الظل وأن يكون خفيف الثقافة أو منعدم اللياقة، هل تذكرون «بسملة» الطالبة فى الصف الثانى الإعدادى التى تفتق ذهن مدرس اللغة العربية أن يطلب من زميلاتها إعراب جملة «بسملة طالبة سمراء» (وفى أقوال أخرى سوداء)؟! وهل تذكرون «حسن» الطالب فى الصف الرابع الابتدائى الذى قال له المدرس عقاباً له على عدم قدرته على القراءة «اختر لنفسك اسم بنت»؟! (ولنترك جانباً مستوى المدرس الثقافى الذى يجعله على يقين بأن إطلاق اسم بنت على صبى هو قمة الإهانة، وما يعكسه ذلك من فكره وأيديولوجيته التى ينقلها للصغار عن قيمة المرأة ومكانتها)، هل تذكرون «روان» التى اعتدت عليها والدة زميلة لها فى طابور الصباح فى مدرسة فى الإسكندرية بالضرب وهى تعايرها بأنها «بنت البواب» وكأنها سبة؟! (ولنترك جانباً تفصيلة صغيرة لكنها دالة على مدى الفوضى والعشوائية حيث دخلت ولية أمر من بوابة المدرسة بعد بدء اليوم الدراسى وتُرِكت لتتوجه إلى الطابور وتعتدى على الصغيرة)، والأمثلة كثيرة جداً، والمشكلة تكمن فى أن أغلبنا يؤمن تماماً بأن التنكيت على لون البشرة أو طول القامة أو وزن الجسم أو شكله أو طريقة الكلام وغيرها، «خفة دم» و«هزار» مقبولان تماماً، والغريب أن يأتى هذا «الإيمان» الراسخ من شعب متدين بالفطرة، تتداخل مآذن مساجده ليضارب المؤذنون على بعضهم البعض من أجل نيل ثواب دعوة الناس إلى الصلاة، وتتصاعد أصوات خطباء الجمعة وبعضهم يصرخ بعلو الصوت مطالباً المؤمنين بالتمسك بالدين وعدم تفويت صلاة وزكاة وصوم، ونتنافس فيما بيننا على إشهار علامات التدين وأمارات الإيمان، ونتمتم بالأذكار والأدعية أينما ذهبنا، من أين إذن أتى هذا الكم من استحلال إلحاق الأذى النفسى والعصبى والعقلى بآخرين دون أن تهتز لنا شعرة إيمانية؟! عجيب جداً أن يتسرب هذا القدر من الشر من قلوب وعقول وأفواه منغمسة تماماً فى مظاهر إيمانية جمة.

إنه لأمر عجيب غريب مريب.

كلمة أخيرة.. سلسلة الموضوعات الصحفية والتغطيات الإعلامية المعنونة «الصبى السودانى ضحية التنمر: أصحابى كلهم مصريين وباخذ منهم عيدية» «مسامح اللى آذونى وباحب المصريين» «المتهمون أصدقائى وكانوا يمزحون معى» «والد الصبى السودانى: ما حدث لابنى لم يزعجنى وهؤلاء الشباب لا يمثلون المصريين»، وغيرها من العناوين التى تفضح نوايا «الطرمخة» واعتبار المسألة واقعة قلما تتكرر، ذكرتنى بالشيخ والقسيس وهما يتعانقان فى قاعة الاجتماعات المكيفة بينما هؤلاء يُكفرون أولئك.

 

نقلا عن “الوطن”

عن admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *